
في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي محور اهتمام عالمي، حيث يتسابق المستثمرون والشركات التقنية الكبرى نحو تحقيق تقدم غير مسبوق في هذا المجال. ومع ذلك، تسود شكوك متزايدة بين المحللين بشأن ما إذا كان هذا التوجه يمثل فرصة ذهبية حقيقية أم مجرد فقاعة مضاربية قد تنفجر في أي لحظة، مع تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي.
التفاؤل المفرط وسباق الاستثمار
تشير البيانات إلى أن الإنفاق العالمي على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى 1.6 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2030. هذا الاستثمار الضخم يعكس التفاؤل الكبير الذي يحيط بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، خصوصًا مع الإمكانيات الهائلة التي تعد بها. ومع ذلك، يلاحظ المحللون أن هذا التفاؤل قد يكون غير عقلاني، حيث تعتمد الكثير من المشاريع على تمويل ضخم قائم على الديون، دون وجود ضمانات كافية لتحقيق أرباح طويلة الأجل.
المحلل أدفيت أرون وصف الوضع الحالي بأنه “مرحلة التفاؤل المفرط غير العقلاني”، مشيرًا إلى أن العديد من الشركات تعتمد على فرضيات غير مؤكدة حول قدرة الذكاء الاصطناعي على حل مشكلات معقدة ودفع عجلة الاقتصاد.
فقاعات متكررة عبر التاريخ
التاريخ الاقتصادي مليء بأحداث مشابهة، حيث شهد العالم فترات من التفاؤل المفرط تجاه تقنيات أو منتجات جديدة، انتهت بانفجار فقاعات مالية. مثال على ذلك، الانهيار الاقتصادي الشهير في عام 1929، الذي أعقبه الكساد الكبير. آنذاك، قاد التفاؤل الكبير بشأن تقنيات مثل الراديو والسيارات إلى زيادة مضاربات السوق، قبل أن تنهار الأسواق بشكل كارثي.
اليوم، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير على نفس الخطى. شركات التقنية الكبرى مثل “أوراكل” و”مايكروسوفت” تنفق مليارات الدولارات على بناء مراكز بيانات ضخمة، في حين تعمل شركات ناشئة على جمع أموال طائلة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. ولكن، كما أشار جيل لوريا، المدير في شركة “دي. إيه. ديفيدسون آند كو”، فإن الاعتماد على أموال مقترضة لتمويل استثمارات محفوفة بالمخاطر هو وصفة لأزمة مالية محتملة.
المخاطر الاقتصادية والاجتماعية
تتمثل إحدى أبرز المخاطر في أن تفاؤل المستثمرين قد يؤدي إلى خلق فقاعة مضاربية، حيث ترتفع قيم الأصول بشكل غير مستدام. بمجرد أن تبدأ الشكوك في السيطرة، قد تنخفض قيم الأصول بشكل حاد، مما يؤدي إلى خسائر هائلة للمستثمرين، خاصة أولئك الذين يعتمدون على التمويل بالديون.
علاوة على ذلك، قد يكون للانهيار المحتمل تأثير مضاعف على الاقتصاد العالمي. إذا انهارت شركات التقنية الكبرى أو الناشئة المثقلة بالديون، فإن ذلك قد يؤثر على البنوك، والمستثمرين، وحتى الحكومات التي تعتمد على هذه الشركات لتحقيق النمو الاقتصادي.
تشابهات مع الأزمات السابقة
تشير كارلوتا بيريز، الباحثة في دورات الازدهار والركود الاقتصادي، إلى أن الابتكار التقني غالبًا ما يتحول إلى مضاربة عالية المخاطر في بيئة اقتصادية مثقلة بالديون. وتضيف أن العصور الذهبية الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يتحمل القطاع المالي عواقب سلوكه، ويتم كبح المضاربات غير المنضبطة من خلال التنظيم المناسب.
الأمر مشابه لما حدث في سوق العملات المشفرة، حيث شهدت عملات مثل “بتكوين” ارتفاعات هائلة قبل أن تتراجع بشكل كبير، مما أدى إلى خسائر ضخمة للمستثمرين.
هل نحن أمام “فقاعة” جديدة؟
ليس من السهل تحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل فقاعة مضاربية أم لا. ومع ذلك، فإن التحليل الحالي يشير إلى وجود مخاطر حقيقية، خاصة في ظل التوجه الكبير نحو الاستثمار بالديون. إذا استمر هذا الاتجاه دون تحقيق عوائد ملموسة، فإن الاقتصاد العالمي قد يواجه أزمة جديدة مشابهة للأزمات السابقة.
في النهاية، يبقى السؤال: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحقق الوعود الكبيرة التي يُروج لها، أم أننا نشهد بداية فقاعة اقتصادية جديدة؟ الإجابة ستعتمد على قدرة الشركات والمستثمرين على تحقيق توازن بين الطموحات التقنية والواقعية الاقتصادية.
