
في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم نحو الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة، يتصدر النحاس المشهد مجددًا باعتباره معدنًا أساسيًا في بنية الاقتصاد العالمي الحديث. بعدما كان يُعتبر عنصرًا تقليديًا في البنية التحتية، أصبح النحاس اليوم في قلب الثورة الصناعية الجديدة التي تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
زيادة الطلب العالمي على النحاس
تشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي على النحاس سيرتفع بنسبة 24% بحلول عام 2035. هذا النمو يأتي مدفوعًا بعدة عوامل، أبرزها الطفرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي من المتوقع أن تضيف نحو ثلاثة ملايين طن سنويًا إلى الطلب العالمي. وتلعب مراكز البيانات دورًا محوريًا في هذه الزيادة، حيث يتوقع أن تسهم بشكل كبير في رفع الطلب على النحاس المستخدم في البنية التحتية للشبكات الكهربائية إلى 1.1 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030.
أسعار النحاس والتأثير على المشاريع التقنية
رغم أن أسعار النحاس تمثل حاليًا أقل من 0.5% من إجمالي تكاليف المشاريع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، يحذر المحللون من تغير هذا الواقع في المستقبل. يقول ستيف جريفيث، المحلل المالي في بورصة لندن، إن مراكز البيانات تُظهر طلبًا غير مرن على النحاس، ما يجعل الأسعار المتغيرة لا تشكل عائقًا كبيرًا أمام المطورين، إلا أن هذا التوجه قد يغير ديناميكيات السوق خلال العقد الحالي.
النحاس والطاقة النظيفة
إلى جانب الذكاء الاصطناعي، يلعب التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة دورًا رئيسيًا في زيادة الطلب على النحاس. من المتوقع أن يضيف هذا التحول نحو مليوني طن إضافي سنويًا خلال العقد المقبل. فالسيارات الكهربائية وحدها تحتوي على ما يصل إلى أربعة أضعاف كمية النحاس المستخدمة في السيارات التقليدية، فضلًا عن البنية التحتية لشحن المركبات وأنظمة الطاقة المتجددة التي تتطلب كميات ضخمة من المعدن الأحمر.
نمو الطلب في الأسواق الآسيوية
تشكل الهند ودول جنوب شرق آسيا محركات قوية جديدة لزيادة استهلاك النحاس، بفضل النشاط الصناعي المتنامي في هذه المناطق. تشير التقديرات إلى أن الطلب السنوي على النحاس سيرتفع بنسبة 7.8% في الهند و8.2% في دول جنوب شرق آسيا، بينما يتوقع أن يزيد الطلب الصيني بنحو 5.5 ملايين طن سنويًا نتيجة احتياجاتها المتزايدة في قطاعات الطاقة والبناء.
تحديات الإنتاج والعرض
مع تزايد الطلب العالمي، تواجه صناعة التعدين تحديات كبيرة لتلبية هذا النمو. ستحتاج الصناعة إلى زيادة الطاقة الإنتاجية للمناجم بأكثر من ثمانية ملايين طن سنويًا، بالإضافة إلى حوالي أربعة ملايين طن من النحاس المعاد تدويره. ومع استمرار القيود على جانب العرض، يُتوقع أن تشهد الأسواق تقلبات حادة وارتفاعًا في الأسعار. ويُرجح أن يتراوح سعر الطن المتري من النحاس بين 19 إلى 22 ألف دولار بحلول عام 2030، خاصة مع ظهور مؤشرات على عجز في السوق خلال السنوات المقبلة.
